خلجات لا أكثر

عندما كنت صغيراً كنت أتمنى أن أسهر حتى صلاة الفجر، وأجرب ماهية السهر، وعندما كبرت أصبحت لا أستطيع النوم من بعض الهموم وكثرة التفكير .!

عندما كنت صغيراً كنت أسعد بكل ما يكون بين يدي من ألعاب أو حلوى أو حتى قصاصة ورق فيها كلمة أو كلمتين خاصة بي أو مهداة إلي، وعندما كبرت أصبحت أمل مما بين يدي من جوال وسيارة ومخططات لرحلة ترفيهية وغيرها الكثير مما تندرج تحت تصنيف الملهيات والجالبة للسعادة .!

عندما كنت صغيراً كنت أطيش فرحاً عند وجود اجتماع أو مناسبة لأقاربي، وعندما كبرت أصبحت أتعذر عن الاجتماعات والمناسبات بحجة العمل أو السفر وغيرها الكثير من الحجج الغير منتهية .!

عندما كنت صغيراً كنت أرى أن كل من تجاوز عمره الخامسة والعشرين يعتبر عاقلاً كلامه يؤخذ على محمل الجد، لا يكذب لا يغش، ديدنه الشهامة ورجاحة العقل، وعندما كبرت تعلمت أن لا كبير إلا كبير العقل .!

هذه الأمثلة وغيرها، لا تنبع مني أنا فقط بل منك أنت ومنكِ أنتي وذاك وتلك، لماذا أصبحت حياتنا تافهة لماذا تغيرت حياتنا أو بمعنى أصح نحن الذين تغيرت نظرتنا لها فالحياة ثابتة لا تتغير نحن الذين نتغير وتتغير طبائعنا وتفكيرنا بل وحتى عاداتنا، نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانا … ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ ولو نطق الزمان لنا هجانا … وليسَ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانا.

جميعنا سبق وتكلمنا عن مصاعب الحياة، وجميعنا دخلنا في حوارات لا طائل منها حول ماهية تغيرات الحياة أو همومها ومشاكلها، لكننا نسينا أن نغير من أنفسنا، نسينا أننا نحن من تغيرنا لا هي، لكن طبيعتنا هي التي جعلتنا نعامل الحياة كشماعة نلقي عليها أخطائنا ومصائبنا، ونتحاشى أن ننسبها لأنفسنا.

نحن الذين اغتصبنا براءة أطفالنا بسوء تربيتنا لهم، بينما كان آباؤنا يضحكون من برائتنا في العديد من المواقف، نحن الذين ابتعدنا عن أقاربنا بينما كان آباؤنا هم من يحرصون على لقاء بعضهم البعض، نحن الذين أغرقنا أنفسنا في النظر إلى ما عند غيرنا حتى أصبحنا لا نحس بلذة ما حولنا وما بين أيدينا، أصبحنا نتلذذ بما عند غيرنا ونتحسر بأننا لا نملك مثله وفي الواقع لو فقط ألقينا نظرة مبسطة بما بين يدينا لوجدنا أننا نملك ماهو أفضل منه بآلاف المرات، إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء، فكل ما ينقصنا هي القناعة والرضا بما قسمه الله لنا.

عقولنا هي ما نتميز به عن غيرنا، وتفكيرنا وانطباعاتنا ونقاشاتنا تحت مظلة الفائدة والرقي والسعي للمفيد، هي ما تصنع شخصيتنا وتكون ديدن ذواتنا، لكننا للأسف وكما قالها أحد أستاذتي ” نحن في هذا الوقت قمنا بتأجير عقولنا لمن لا يعرفنا ولا يهتم لنا “، نعم عقولنا أصبحت في متناول المشاهير يتحكمون بنا وبأذواقنا بل وغيروا حتى من شخصياتنا، القليل جداً للأفضل والكثير جداً للأسوأ.

أصبحنا نرى ذو الخمسين عاماً عمر عقله يكاد لا يتعدى مرحلة العشرينات، ذهب منه الوقار واستبدله بالجنون بحجة التماشي مع العصر ومتطلباته!، ما هكذا تمشي مع متطلبات العصر، أعط كل فترة من عمرك حقها، أعط شبابك جنونه ونشاطه بعقل، وأعط كهولتك حقها من الرزانة والتفكير السليم، وأيضا احترم كبر سنك ووقارك، وأفد من تحتك لا تكن أنت من يجرهم لما يحيق بهم.

مؤلم أن يصبح من حولي بالعمر تتمحور اهتماماتهم، حول المغنية الفلانية، والحفلة الغنائية، بل انحدر إلى الاهتمام بتلك الراقصة، حتى أن مستوى تفكيره لا يتعدى يومه أو لحظته، فأكبر تحدي يواجهه في يومه هو أين سيتناول طعام عشائه الليلة !، أين نحن ممن كانت هممهم تعانق السماء، من كان تفكيرهم يتعدى أعمارهم، كانت تسليتهم الكتب، ومشاريعهم هي من تقيم وتنهض بالأمة والحضارة لا أن تسعى في حطامها وخرابها كما أغلبيتنا تفعل اليوم، كم أتمنى أني من ذلك الجيل.

لا أعلم هل دخولي كل أسبوع للكلية وانقطاعي عن العالم لمدة خمس أيام، هو ما جعلني أعيد النظر والتفكير بما حولي عند خروجي، أم أن ما حولي أصبح لا ينزل مستواه بل يسقط سقوطاً حراً في حفرة لا قاع لها، فأصبحنا نرى السفه فيما حولنا على أنه هو الاستقامة.

فتارة نصفق فرحاً لأن فلاناً ( اجتاح ) الدنيا بأغنية عن خبز الصامولي، وتارة نصيح من جمال بائع الكليجا، بل بلغت بنا السفاهة أن نستضيفهم ونقيم لهم برامج حوارية وكأنهم هم عقلاء القوم، ما بالنا أصبحنا نحب تلك الساذجة التي تخرج عن طوع ولاة أمرها تحت مظلة إسقاط الولاية، وترانا نتبادل صور تلك المراهقة التي زينتها أمها بكامل زينة الإناث، ونسرق عنفوان أنوثتها وبرائتها بجعلها مشهورة ولها معجبين ومعجبات ونعيشها في وهم أنها مرغوبة من الجميع، متناسين أنها شرعاً وعمراً وجسدياً تعتبر فتاة بالغة، وهذا الأمر يحتم عليها أن تتحجب وتتستر، ونتحجج بأنها حتى الآن صغيرة، بل المضحك المبكي أن بعض الأهالي بدأ يسمح لهذه الفتيات أن تخرج مع شبان لكي يصوروها في أماكن عامة لأنها وبتعبيرهم ” مودل ” .. أنقذوا برائتهم وأعراضكم!

أعتذر عن تشعب حديثي، وهمهتي الغير مفهومة قد تكون عند البعض، لكن هي مجرد خلجات في صدري، كنت قد ضقت ضرعاً من كبتها وتناسيها فأردت نثرها ها هنا، رغم بعثرتها أملاً في إجابة من أحدهم، أو حلاً من عابر يمر بتدوينتي هذه، وأختم وأستلهم بما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ” إنما المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ .. الدين أولها والعقل ثانيها .. والعلم ثالثها والحلم رابعها .. والجود خامسها والفضل سادسها .. والبر سابعها والشكر ثامنها .. والصبر تاسعها واللين باقيها .. والنفس تعلم أنى لا أصادقها .. ولست أرشدُ إلا حين أعصيها “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.